عبد القادر محمد صالح

5

التفسير و المفسرون في العصر الحديث

تقديم بسم اللّه الرّحمن الرّحيم شكا بعض الناس في أعقاب معارض الكتب ، من كثرة الإقبال على الكتب الدينية والتراثية ، تأليفا وقراءة . وقد يكون الإقبال على هذا الصنف من الكتب سابقا لغيره من الأصناف ، لكنه ليس مسرفا كما تذهب الشكوى ، فحجم التأليف والنشر في مجال الدرس القرآني ما يزال قليلا جدا قياسا إلى أمة كبيرة في أعدادها وطاقاتها ، وقليلا قياسا إلى « الكتاب المقدس » ، الكتاب الأكثر نشرا ودرسا في العالم . ومع إقرارنا بالقلة النسبية للدرس القرآني ، لا نستطيع إلا أن نسلم بأن هذا الدرس أصبح حركة في العصر الحديث ، ولا سيما في القرن العشرين الميلادي . وقد جهد المؤلف في استقصاء كتب التفسير في القرن الماضي ، فدرس تفاسير كثيرة تتعدّد في توجّهاتها ، كما تتعدّد في أمصار أصحابها ، فكان منها الذائع المشهور ، ومنها الخافت المغمور ، ومنها بالطبع ما هو ذائع هنا وخافت هناك ، فكان تتبع تلك التفاسير على تعددها عملا مجهدا يحمد المؤلف عليه . ومع توخي الاستقصاء غاب عن الكتاب مجموعة من التفاسير الحديثة ، بعضها لم يقع عليه المؤلف ، وضاقت الطبعة الحاضرة عن بعض آخر ، فكل ذلك قابل للاستدراك في جزء ثان أو طبعة لا حقة . وغاب عن الكتاب أيضا مجموعة أخرى من التفاسير كانت جديرة بالعرض والدرس ، ويبدو أن المؤلف آثر تجنبها خشية الخوض في جدال مذهبي قد ينجم عنه ضرر على وحدة الأمة . وقد عني المؤلف بترجمات المفسرين ، وتبيان مناحيهم وتوجهاتهم ، ولم يقتصر عمله على العرض والوصف ، وهذا مهم على كل حال ، وإنما جنح إلى التحليل والمناقشة والنقد والتقييم . ولعله يقدم لنا ، في مقبل الأيام ، نظرا شموليا إلى التفاسير بوصفها حركة تأليف ، فيبين لنا ، بعد أن عرفنا خصائص كل تفسير ، خصائص الحركة في عمومها ، وما ذا يميزها عن حركة التفسير في العصور الخاليات ، ومدى تأثير التحديات المستجدة في طبع التفاسير الحديثة بطوابع عامة لم تكن لتظهر من قبل .